مع اقتراب نهاية العهدة الانتخابية لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، وجب النظر في حصيلة الرجل باعتبار أنه يمثل اختزالا لمنظومة حكم 2014

و لأن ذاكرتنا الجماعية ضعيفة، فمن الجدير التذكير بأن الباجي قائد السبسي أسس حزبه حركة نداء تونس على أساس مواجهة المشروع الاخواني و أقام حملته فيما بعد على أساس أن لا تحالف مع حركة النهضة. و أن مصير الحركتين البعاد. و هكذا كان التصويت المفيد و الذي حصدت بفضله حركة نداء تونس على الأغلبية التشريعية و الذي مكن الباجي قائد السبسي من تحقيق حلم لطالما رواده بدخول قصر قرطاج

من هنا انطلقت خطايا الباجي في حق كل من « أمّنه » على صوته و من آمن بمشروعه.  فصار مصير الحركتين التلاقي و بات يعطى لذلك الكثير من الأسماء و التبريرات : التعايش، المصلحة تقتضي، الوضع يتطلب…

فكانت حكومة 2014، حكومة ترضيات و توافقات غاب عنها تحديد الأولويات و تسمية الكفاءات (في مجملها) و ترأسها الحبيب الصيد باقتراح من الباجي و بموافقة من النهضة.

من حينها، بدأ ماكان يشاع في الكواليس يظهر في العلن، و بدأت الانشقاقات و الخلافات و التسجيلات و التسريبات تتصدر أخبار الحزب الحاكم. فكان من القليل أن نسمع له مقترحات و حلول و كثيرا ما أزعجنا بأخبار سجالاته.

و بالمناسبة هنيئا له تبوء المركز الأول في الرداءة و الغباوة السياسية مع أن عدد الأحزاب المتنافسة كثير!

هنا لنا أن نتساءل : هل يتحمل الباجي قائد السبسي جزءا من ما عرفه حزبه ؟. الإجابة لا تتطلب الكثير من الحنكة و التحليل : بعيدا عن أكذوبة الرئيس يقف على نفس المسافة من كل الأحزاب، الباجي يتحمل المسؤولية الأكبر في ما آلت إليه أوضاع حزبه و ما لحق الدولة من ضرر و ما مس  العمل الحكومي من استخفاف جعل من مصلحة الحزب تتصدر مصلحة البلد.

و في أقل من سنتين، و تحديدا في صائفة 2016، يأتي إعادة تشكيل الحكومة بإزاحة الحبيب الصيد و تسمية يوسف الشاهد. و الأسباب المعلنة هي عجز الصيد عن تقديم الإصلاحات اللازمة و الضرورية. غير أن الأسباب الحقيقية يعلمها القاصي و الداني و لا يتوجب على من يعلمها أن يكون قريبا من صالونات الثرثارات و الدسائس و المؤامرات، فيكفي مثلا الاستماع إلى تسجيلات الاجتماعات المسربة. و بهذا المنطق و ترضية للابن حافظ، يختار الأب الباجي  يوسف الشاهد، قريبه و مريده فاقد الخبرة و الحنكة الذي لا يُعرف عنه موقف سياسي، لتولي منصب رئاسة الحكومة.

جاءت هذه التسمية لعدة اعتبارات غير أنها تبقى كلها ذاتية بحتة : الشاهد مقرب من عائلة الرئيس و تربطه بها صلة قرابة بعيدة، هو من الأتباع الأوفياء للإبن، هو (الشاهد) ليس له لا تابع و لا مريد، و لا حجم و لا ثقل سياسي له. فالشاهد مدين بالمناصب التي تقلّدها (كاتب دولة ثم وزير ثم رئيس حكومة) للباجي لا غير. و حتى داخل حزب النداء، كما هو الحال داخل الأحزاب الأخرى التي مر عليها، لا يُسمَعُ للرجل موقف و لا يعلو له صوت.

و كانت المفاجأة الغير سارّة للباجي و لإبنه، فمن اختير لأن لا رصيد سياسي له شرّع له طموحه اللامحدود كل ألاعيب السياسة حيث بدأ بعد فترة قصيرة من توليه رئاسة الحكومة في احاطة نفسه بدائرته الضيقة (و التي سرعان ما بدأت في الاتساع بموالين و أنصار) و يبتعد رويدا رويدا عن دائرة حكم قصر قرطاج. فأصبح رأسي السلطة التنفيذية محور صراع يطال أجهزة الدولة و يحدد المسؤولون من خلاله مجال تحركاتهم، مواقفهم، مناوراتهم و حتى سقف طموحاتهم.

و السؤال هنا و ببساطة شديدة: هل أصل الصراع مثلا خيارات إستراتيجية للحكومة اختلف في شأنها الرئيسين ؟ هل سبب المعركة الضروس  مثلا إصلاحات ٱختُلِفَ في تحديد أولوياتها ؟ قطعا لا ! فأصل الصراع و جوهره ذاتي (ككل صراعات الباجي)، فطموحات « صاحب العينين الخضراوين  » أرقت  » صاحب العينين الزرقاوين » و خروج القرار من دائرة مجالس حافظ قائد السبسي و من محيط قصر قرطاج و انتقاله إلى دائرة مجالس يوسف الشاهد و إلى محيط القصبة هو ما جعل نار الصراع تتّقد لدرجة لم تعد معها كل محاولات الإطفاء ذي جدوى.

 و بالحديث عن يوسف الشاهد، فإن جملة من الاستنتاجات تبدو ضرورية:

-ما أنكره الشاهد باستمرار أثبتته مجريات الأحداث، فطموحاته السياسية يؤكدها تأسيس حزب « تحيا تونس ». هذا الحزب الذي ينبني على « وصفة » تجميع القوى الحداثية، و هي نفس الوصفة التي اعتمدها النداء لدى التأسيس و كانت السبب الأبرز في انشقاقه لأنها قائمة حول شخص وليس حول مشروع حقيقي و جدي جامع يحمل الحزب و يخلق جوهره و روحه. و إذا نظرنا للأسماء البارزة لحزب الشاهد فإننا سنلمح:

* وجوه ندائية فيها من لم تُتَح له الصفوف الأمامية في الحزب الأصل فتجول بين الأحزاب الفروع حتى يظفر بالمواقع المتقدمة، و فيها من ظل لوقت قريب يؤدي فروض الولاء للإبن و حين هُمِس له « زمن الباجي و ابنه انتهى » قفز بطمع من مجلس إلى مجلس.

* وجوه يعرف عنها الانتهازية و الأصولية، تذهب مع من تميل معه رياح السلطة و النفوذ و آخر همها كيف و إلى أين تذهب. ففي « تحيا تونس  » تجد من اشتهر بتسريب تسجيلات المجالس و من تحاط به شبهات الفساد و من فشل في كل المناصب التي تقلدها. في هذا الحزب، جزاء الفشل المكافأة. و إذا كان لك من الخصال الآنفة الذكر، فلك من الحزب واجهته و وجاهته.

- الشاهد خير مثال لغياب الأخلاق السياسية و استغلال أجهزة الدولة. فهو تنكّر لصاحب الفضل الأول عليه سياسيا (الباجي) و تناسى أنه لولا الرئيس و حزبه و ابنه، لكان صفرا على الشمال سياسيا. أما استغلاله لأجهزة الدولة فهو بذلك خير تلميذ لخير معلم (الباجي ). فالشاهد احترف تهديد خصومه و جعلهم في مدفع هجمات إعلامه المقرب، و كل ما كسبه من زعامة « وهمية مفرغة من الشكل و المضمون  » هي نتاج لمنصب. فهو لا زعيم و لا سياسي بالفطرة، بقدر ما هو صاحب حظ لعبت معه الصدفة دورها. و هنا يأتي الاختلاف الشاسع بينه و بين الباجي.

-بلغة الأرقام و بالتمعن في حصيلة فترة الشاهد، لا يمكن إلا القول بأن الحكومة فاشلة بامتياز، مع أن رئيسها لا يكف عن الحديث عن نجاحاته و انجازاته. و هنا لا ندري هل هذه قائمة النجاحات التي يقصدها : تدهور المقدرة الشرائية، تراجع احتياطي العملة الصعبة، تفاقم التداين، غياب للإصلاحات، الفساد المستشري في كل القطاعات، سوء إدارة الأزمة المتواصلة مع اتحاد الشغل، حادثة الرضع بما تمثله من فاجعة و ما يمثله التحقيق فيها من عجز للدولة، تزايد حجم الجريمة، حادثة  السبالة و ما ترمز له من استهتار من الدولة…و طبعا القائمة طويلة و تحتاج لوحدها لمقال لسردها.

أم هل أن حربه « سيئة الإخراج و التمثيل » على الفساد هي النجاح الذي يقصده؟ لذا فلنُذَكِّره بأن حربه على الفساد هي الفساد بعينه و ليبذل الجهد في البحث عن المصطلحات و المفاهيم!

أو ربما نحن نظلم الرجل و نتناسى خارطة الطريق التي قدمها و أطنب الحديث عنها. فعلا كم نشعر بالفخر و الامتنان، فتونس سنة 2019 تضع ضمن قائمة أولوياتها الإستراتيجية : حماية القدرة الشرائية للمواطن خلال شهر رمضان، إنجاح الامتحانات الوطنية و توفير الظروف الطيبة لعودة التونسيين من الخارج! كل هذا من المفروض أنه من تحصيل الحاصل و لا يُتَبَجّح بانجازه، فهو من العمل اليومي الذي تسهر الإدارات على أدائه. كم نحن ممتنون لهكذا حكومة تحث الخطى نحو القاع وهي بذلك مزهوّة !

هل نخطئ القول حين نقول بأن الوضع السياسي العام سماته الرداءة و الفشل و غياب الرؤية ؟

هل نخطئ التقدير حين نرى في الشاهد رمزا من رموز الفشل ؟

هل نسيء للرئيس الباجي قائد السبسي حين نحمله مسؤولية ما تعيشه البلاد ؟. فهو الذي جلب لنا إلى الساحة السياسية حزب نداء تونس و ما تبعه من تشكلات تتنافس على الاستهتار بنواميس الدولة و على غياب روح المسؤولية. هو الذي ساهم في بروز وجوه على ساحة الأحداث السياسية أثقلت البلاد بركاكتها و كثرة تلوّنها. هو الذي منح حركة  النهضة شرعية التصريح بأنها نجحت في ما فشل فيه غيرها من الأحزاب على أنها الحزب الأكثر تنظيما و الأكثر حرصا على مصلحة الوطن. لذلك لا نغترّ بما يصرّح به في شأنها، فهو مرة يقاطعها و مرة يلاقيها، وفيّ بذلك لمناوراته لعلها تربحه المزيد من الوقت و البقاء في السلطة و المزيد من هامش الحركة.

الباجي قائد السبسي هو نفسه الذي اختار الحبيب الصيد ليأتي ليعلمنا في ما بعد أن  الأخير فشل في مهمته الحكومية. ألا يعلم الرئيس أن سوء الإختيار فشل ؟ و أنه لا يحق لرئيس الجمهورية أن يسيء الإختيار؟ الباجي هو نفسه الذي اختار يوسف الشاهد ليأتي في ما بعد معلنا رغبته في تنحيته بتعلّة أنه فاشل ؟ ألا يعلم رئيس الجمهورية أنه يتحمل المسؤولية في المراهنة على فاشل عديم الخبرة و الدراية؟ ألا يدرك الرئيس أن اختيار الفشل ..فشل ؟

لا أفهم كيف أن هناك من يقدم الشاهد على أنه منافس للباجي؟ فهل يمكن أن يكون للفاشل منافس ينافسه في حجم  فشله ؟ ! ففي الفشل لا مكان لمنطق الدرجات !

غير أنه و حتى لا نهضم للرجل حقه فإن أبرز عناوين فشل الباجي هو أنه جنى علينا و ابتلانا بصبيانية سياسية لا مثيل لها جسدها يوسف الشاهد.

(إِذَا اْمتَحَنَ الدُّنْيا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ لهُ عَنْ عَدُوٍّ في ثِيَابِ صَدِيق  (ابن الرومي

حنان منصف