ما فتئ رئيس حركة النهضة يؤكد و منذ لقاء باريس الشهير بتاريخ 15 أوت 2013 أن « التوافق إستراتيجية تحتاجها البلاد  » و أن تونس نجت بفضل الله و بفضل سياسة التوافق و أن البلاد مازالت بحاجة اليوم إلى التوافق بين النهضة و بين جميع الأحزاب و مع رئيسي الدولة و الحكومة.

لا بد في البداية من الإشارة لكون التوافق هو خيار راشد الغنوشي قبل أن يكون خيارا لحركة النهضة، فلقاء باريس الذي كرّس آلية التوافق بين الشّيخين تمّ في غفلة حتّى عن أبرز قيادات الحركة و شكّل صدمة لهم ممّا دفع البعض منهم في تلك الفترة إنكار حصول الإجتماع « المحرّم » و « المكروه » في نظر الصقور اللذين كانوا آنذاك في محيط البرلمان يحشدون الأنصار و الحلفاء سعيا منهم لإفشال إعتصام باردو.

إن التوافق في أدبيّات راشد الغنوشي و تصريحاته المعلنة هو « الإطار الأمثل للحوار حول كل القضايا للوصول إلى حلول و بدائل و توافقات بعيدا عن منطق الغلبة و فرض الرأي ».

بيد أن ما لم يقله الغنوشي هو أن التوافق يمثّل الإطار الأمثل لضمان إستمرار الإسلام السياسي في الحكم في مربّعه الأخير بتونس بعد أن خسر مواقعة في مصر و المغرب و سوريا و ليبيا ، في إنقلاب تام على جوهر الديمقراطيّة و في إطار خدمة المشروع الإسلامي لا غير.

التوافق بديل للديمقراطيّة

لا يخفى على أحد أن حركات الإسلام السياسي في العالم لا تعتبر الديمقراطيّة غاية في حد ذاتها بقدر ما تعتبرها مجرد وسيلة للوصول للحكم لتنفيذ المشروع الأكبر ألا وهو إقامة شرع الله في الأرض، و لا أدلّ على ذلك ممّا ورد على لسان الأمين العام السابق لحركة النهضة حمادي الجبالي في جذوة حماسه حين خاطب أنصاره مبشّرا إيّاهم بأن الخلافة الرّاشدة السّادسة على الأبواب.

إن التوافق المنشود في ذهنيّة الغنوشي هو إلتفاف على آليات الديمقراطيّة سواءا داخل الأحزاب أو داخل مؤسّسات الدّولة.

لقد جعلت فكرة التوافق من راشد الغنوشي المهندس الأوحد لسياسات حركة النهضة و منحته تفوّقا على جميع هياكل الحركة من مجلس شورى و مكتب تنفيذي و غيرها بإعتبار أن هاته الهياكل صارت مجرّد آليات مصادقة لاحقة على ما يتوافق عليه الشيخ مع من يعتبره في كلّ مرحلة « الطرف الأقوى »  و بهذه الصورة ، فرض الغنوشي على هياكل الحركة قبول التعامل مع الباجي قائد السّبسي و إعلان الحياد بمناسبة الدّور الثّاني من الإنتخابات الرئاسيّة و تمّ التعامل مع رئيس الجمهوريّة و حزبه نداء تونس و نجله حافظ قائد السّبسي كشريك إستراتيجي قبل أن يغيّر الغنوشي موقفه من جديد في غفلة عن أقرب مستشاريه لطفي زيتون و يفرض يوسف الشاهد كشريك جديد له في البداية قبل أن تسارع هياكل الحركة فيما بعد لمباركة هذه الشراكة الجديدة.

أمّا على مستوى مؤسّسات الدّولة، فإنّ فكرة التوافق أدّت إلى بروز هياكل موازية للمؤسسات الدّستورية على غرار لجنة التوافقات داخل مجلس النّواب و إجتماعات قرطاج 1 / 2 و 3 التي إستولت على دور مجلس نوّاب الشّعب كما حدّده الدّستور في ممارسة دوره في تقييم عمل الحكومة ، بل إنّه، و بفضل التوافق صار لقاء الشيخين في الفترة السّابقة و لقاء الشيخ مع يوسف الشاهد في الفترة الحاليّة هو الإطار السياسي الوحيد الذي يتم فيه إتّخاذ القرارات السياسيّة الكبرى للبلاد على أن تتولّى المؤساسات الدستوريّة فيما بعد المصادقة اللاّحقة على ما يتمّ تقريره.

لعلّها من سخريّة القدر أن مكّنت فكرة التوافق، الشيخ راشد الغنوشي – الذي دون أن يمرّ عبر الآليّة الأساسيّة للديمقراطيّة (الإنتخابات) –  من أن يلعب الدّور الأساسي في تحديد ملامح السياسات الداخليّة و حتّى الخارجيّة للبلاد، و صارت الديمقراطيّة التي كانت من أهّم مطالب الثّوار أواخر2010 و بداية 2011 ، مجرّد خطاب ممجوج ، خال من كلّ مضمون لتتحوّل تونس من نظام الإستبداد إلى نظام التوافق الهشّ و المغشوش.

توافق مغشوش

لا يكاد راشد الغنوشي يدلي بتصريح إعلامي دون أن يؤكد أنّ التجربة التونسيّة في التوافق تعتبر إستثناءا في العالم العربي و أنّ تونس تصنع تاريخا جديدا و تقدّم صورة راقية تبرهن أنّ الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطيّة و مع حقوق المرأة و التنمية و الآداب و الفنون و الوحدة الوطنيّة … و لكن، يبقى السؤال الذي يتبادر إلى ذهن الجميع منذ لقاء باريس الشهير : ماهو مضمون التوافق ؟ 

للإجابة على هذا السؤال، لابدّ من وضع لقاء باريس في إطاره الزّماني، أي بُعيْدَ أيّام معدودات من تاريخ إغتيال الشهيد محمّد البراهمي و في ذروة الإحتجاجات المتصاعدة ضدّ حركة النهضة، و بُعيْدَ أيّام معدودات أيضا من تاريخ السّقوط المدوّي لنظام الإخوان المسلمين في مصر، و بالتّالي فإنّ الشيخ راشد الغنوشي كان يبحث عن إتّفاق من شأنه أن يجنّب حركة النهضة المصير ذاته الذي عرفه الإخوان في مصر و يمكّنها من تجاوز العاصفة التّي تتهدّد أصلا وجودها في تونس ، و لذلك لم تنبثق عن لقاء باريس أيّة مخرجات واضحة المعالم بإستثناء مدّ جذور الصّداقة بين الغنوشي و الباجي قائد السّبسي دون سواهما أي أنّه لم يكن مطلوبا حتّى أن تمتدّ عُرى الصّداقة و التحابب لتؤلف بين قواعد حركة النهضة و حزب نداء تونس.

فالتوافق كان مجرّد شراكة في الحكم بين الرّجُلين و لم يكن توافقا على برامج أو رؤى مشتركة للبلاد و لذلك، كان من اليسير رؤية التضارب في المواقف بين الحزبين ما أن يتعلّق الأمر بالمسائل التي تمسّ الهويّة و علاقة الدّين بالسّياسة.

إنّ التوافق في فكر راشد الغنوشي هو الإطار الذي يضمن بقاء النهضة في الحكم و حماية البعض من عناصرها من أيّة متابعات قضائيّة قد تستهدفهم بخصوص بعض الملفّات الأمنيّة على غرار ملفّ الجهاز السرّي و ملفّ الإغتيالات حتىّ و لو كان ذلك على حساب بعض المبادئ التي تهمّ عقيدة الحركة و من أجل ذلك الهدف، كان لابدّ من التوافق مع الطّرف السّياسي القادر على ضمان تلك الحماية و الذي كان في بداية الأمر الرّئيس الباجي قائد السّبسي ثمّ فيما بعد، رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

و حتىّ في توافقه القديم الجديد مع رئيس الحكومة و حزبه تحيا تونس، لم يكن الغنوشي ساعيا إلى تحويل التوافق المغشوش إلى توافق حقيقي مبني على البرامج و الرّؤى المشتركة، بل قام فقط بتغير الغلاف الخارجي تحت مسمّى الإستقرار الحكومي، و لم يكلّف زعيم حركة النهضة نفسه أو حتّى قيادات حزبه عناء الرّد على تصريحات قيادات حزب رئيس الحكومة التي تنتقد حركة النهضة  و تحمّلها تركة سنوات ما بعد الثورة، بقدر ما كان حريصا على تأكيد دعمه و مساندته للرّجل القويّ و القادر على دفن الملفّات الخارقة التي من شأنها إرباك حركة النهضة و على رأسها ملف الجهاز السرّي.

توافق هشّ

بقدر ما كان التوافق مع رئيس الجمهوريّة متينا و قويّا لفترة تجاوزت الأربعة سنوات، برغم كونه توافقا مغشوشا، بقدر ما يبدو التوافق الجديد مع رئيس الحكومة و حزبه توافقا هشّا قد لا يتجاوز تاريخ الإنتخابات في أكتوبر القادم. ولّدت الإنشقاقات المتكرّرة و الأزمات التي عصفت بحزب نداء تونس قناعة لدى راشد الغنوشي بضرورة إيجاد حليف جديد يعقد معه توافقا متجدداً يحقّق له نفس الأهداف التي سعى لتحقيقها من خلال توافقه السّابق مع رئيس الجمهوريّة و وجد ضالته في يوسف الشاهد الطّامح للعب الأدوار الأولى في المرحلة القادمة و الذي لم يكن و لن يكون له أيّة إحترازات على إبرام شراكة مع الإسلام السّياسي طالما أنّ هذه الشّراكة تُعبِّد له الطّريق، في الوقت الرّاهن على الأقّل، للبقاء في القصبة و لربّما إلى قصر قرطاج فيما بعد.

لئن كان تقدير الشيخ الغنوشي سنة 2013 في محلّه حين إعتبر أنّ الباجي قائد السّبسي كان الطّرف الأقوى حينها في المعادلة السياسيّة الشّيء الذي جعله يسارع إلى باريس للقائه و إبرام إتّفاق معه، فإنّ تقديراته هذه المرّة بخصوص يوسف الشاهد قد لا يحالفها النّجاح لعدّة أسباب.

فمن جهة أولى ،حزب تحيا تونس المحسوب على رئيس الحكومة ليس سوى جزء من نداء تونس من ضمن أجزاء أخرى لا تزال مجهولة في المشهد السّياسي و لا تزال قادرة على المنافسة في المعركة الإنتخابيّة، هذا بالإضافة لكون هذا الحزب الجديد سيتحمّل وزر تقاربه مع النهضة وهو ما يعني عزوف جزء كبير من النّاخبين عن مجرّد التّفكير في التّصويت له و لا سيّما العنصر النّسائي، كما سيتحمّل الإرث الثّقيل لحكومة يوسف الشاهد التي راكمت الفشل في معالجة عديد الملفّات.

و من جهة ثانية، تشهد السّاحة السّياسية صعودا مفاجئا لحركة تعلن صراحة معاداتها للإسلام السّياسي وهي الحزب الحرّ الدّستوري الذي لم يربك حسابات يوسف الشاهد و حزبه فحسب، بل أربك أيضا حسابات زعيم حركة النهضة .

لكلّ هذه الأسباب، يبدو التوافق المنشود بين الشيخ و رئيس الحكومة ليس مغشوشا فقط، بل و هشّا أيضاً بإعتباره رهين نتائج الإنتخابات القادمة.

و عليه، فإنّنا نتساءل هل أنّه كتب على حركة النهضة و خاصّة على زعيمها أن يبحث كلّ فترة عن شركاء جدد يبرم معهم الإتّفاقات التي تسمح للحركة بالبقاء في ظلّ متغيّرات إقليميّة و دوليّة عصفت ولا تزال تعصف بالإسلام السّياسي في كلّ مكان؟ هل  من سوء حظّ زعيم حركة النهضة أنّ حلفائه لا يعمّرون طويلا ؟ أم لعلّها لعنة الحركة تصيب كلّ من يقترب منها و يمدّ يده ليقطف الثمرة المحرّمة ؟

بقلم الأستاذ و النّاشط السّياسي : مكرم الڨابسي